728 x 90

كلمات في مقام ووداع الحاجة هدية

كلمات في مقام ووداع الحاجة هدية

أشكر.. ومن القلب الأستاذ الإعلامي جهير السيرة محمد لطيف، الذي حفزني لكتابة هذه الكلمات.. مما تعلمته في دنيا الصحافة أن تكتب عن حب.. وقناعة.. ومعرفة.. وبالصدق كله أقول إنني لا أعرف الحاجة هدية والدة الأخ الرمز عمر البشير رئيس الجمهورية الأسبق.. لم يكرمني الله بلقائها والسلام عليها يوماً من الأيام.. ويحق لأخي الأستاذ محمد لطيف

أشكر.. ومن القلب الأستاذ الإعلامي جهير السيرة محمد لطيف، الذي حفزني لكتابة هذه الكلمات.. مما تعلمته في دنيا الصحافة أن تكتب عن حب.. وقناعة.. ومعرفة.. وبالصدق كله أقول إنني لا أعرف الحاجة هدية والدة الأخ الرمز عمر البشير رئيس الجمهورية الأسبق.. لم يكرمني الله بلقائها والسلام عليها يوماً من الأيام.. ويحق لأخي الأستاذ محمد لطيف أن يكتب عنها؛ لأنه كما قال يعرفها وأهلها وعشيرتها منذ 35 عاماً.. أمّا أنا فقد عرفتها من شوق ومودة ولهفة ابنها الشهيد عثمان حسن والذي كان دائم الحديث عنها لشدة ارتباطه بها وتعلقه بتفاصيل ويوميات حياتهم معها.. كان يذكرها بالخير كله.. لم أجد في حياتي شخصاً باراً بأمه في غيابها كما كان يفعل الشهيد عثمان.. ومن حديثه عنها وددت لو أني التقيتها وهو ما لم يحدث حتى توسدت الثرى.. رحمةٌ من الله عليها ورضوان..لم أُعايش حاجة هدية كما عايشها من قرب الأستاذ محمد لطيف.. ظللت أتابع تأثيرها في حياة ابنها الرئيس البشير والذي كانت حاجة هدية مركز حياته وعصب اهتمامه اليومي.. لا أعرف كيف استقبل خبر موتها وهو في سجنه محبوساً ومجبوراً على الغياب عنها وهو الذي لم يكن يتأخر عنها لحظة.. يترك كل شيء ويجلس في حجرها حتى تأذن له بالانصراف لأنها بلغت من العافية تمامها..لا أدري كيف تغلَّب البشير على ألم تغييبه القسري عن أمّه التي منعوه من زيارتها وهي تغالب سكرات الموت.. ولمّا أسلمت الروح نقلوه تحت الحراسة المشددة ليطبع على جبينها قُبلة الوداع ثم صلى عليها وأعادوه إلى محبسه دون أن يكون شاهداً لحظات دفنها، وليعيش لحظات يوقن بعدها كل ابن أنّ أمّه قد ماتت وصارت تحت التراب إلى الأبد..أقول عايشت صلة البشير وتعلقه بوالدته عن بعد.. كنت أعلم أنه لا يرفض لها طلباً ولا يتأخر عن أمر تطلبه.. كان بعض علمائنا ومشايخنا من رموز الحركة الإسلامية يعلمون قوة تأثير حاجة هدية على ابنها عمر البشير، ولذلك ذهبوا إليها زُرافاتٍ ووحداناً لتطلب منه.. بل وتأمره ألا يسافر إلى دولة الصين؛ لأن تلك الرحلة كانت تمثل برأيهم خطراً محدقاً عليه سيمكن المحكمة الجنائية من القبض عليه، وإن حدث ذلك سيقع السودان كله في كارثة لا يعلم مداها إلا الله..ذهب مشايخنا إلى الحاجة هدية يحدثونها بهذه المخاوف.. لا أعرف ماذا قالت لهم.. لكن ما كنت أعرفه ويعرفه الكثيرون أيضاً أنّ الرئيس عمر البشير كان يتصرف في مواقع باعتباره عمر البشير القائد ورئيس الدولة، وفي ذات الوقت ابن الحاجة هدية.. وفي مواقع أخرى كان يتصرف باعتباره ابن الحاجة هدية ورئيس جمهورية السودان.. وفي الحالتين هو ابن الحاجة هدية.. لا يرفض لها أمراً بيد أنه يمضي ما يمليه عليه حبه وبره لوالدته وما تفرضه عليه واجبات قيادته لشعبه.. وأمته..لا يزال الوقت مبكراً للكشف عن أفضال الراحلة العزيزة على أُناس كُثر.. ليس غريباً أن يتنكروا لابنها الرئيس وهم يعلمون أنهم ولجوا بلاط السلطة والسلطان ونالوا ما نالوا من جاه ومال، لأنهم عبروا عبر بوابة رئيس الجمهورية مرة.. وإلحاح والدته عليه مرات.. ومرات!!قلت في مفتتح مقالي هذا إنني لم أكن حريصاً أن أكتب عن الحاجة هدية ليس لأنها لا تستحق.. ولكن لأني لا أعرف عن شمائلها وأفضالها الكثير.. وما أكتبه هنا مدخل لأمر مهم أختم به مقالي هذا، وأجدد أيضاً شكري للأخ الإعلامي الرقم محمد لطيف والذي كتب مقالاً حمّال أوجه بعنوان (البرهان.. في الصيوان) تعليقاً على زيارة الفريق الركن برهان لأسرة الرئيس البشير مواسياً في وفاة الحاجة هدية.. رمى لطيف باللائمة على أعضاء المجلس العسكري لغيابهم عن مراسم تشييع ودفن والدة البشير، وانتقد لطيف بحدة رفض قيادة المجلس العسكري إذناً للبشير لزيارة والدته وتم رفض طلبه حتى ماتت!!لا أعرف لماذا يستغرب لطيف هذه المعاملة التي لا أجد لها تفسيراً ولا تبريراً.. أقول لا أعرف لماذا يستغرب لطيف هذا وهو الذي طالع قبل سنوات ربما كتاب محمد حسنين هيكل وسفره الشهير (خريف الغضب.. قصة بداية ونهاية أنور السادات).. لا أعرف هل نسي محمد لطيف لماذا تنكر كثيرون لأنور السادات وفي مقدمتهم هيكل نفسه، رغم أنه كتب في مقدمة كتابه يقول: (إنّ هذا الكتاب ليس حكماً على السادات، فالوقت مازال مبكراً بعد لإصدار أحكام نهائية.. أكرر هذا الكتاب ليس هجوماً على السادات)..لكن هيكل لم يترك سطراً في الكتاب دون أن يهاجم فيه السادات.. واليوم أيضاً يتبارى كثيرون ويتسابقون لانتقاد وجلد ظهر الرئيس البشير وقد كانوا حتى قبل يوم من زوال حكمه قريبين من مكتبه وباب منزل والدته الراحلة هدية!!.. أمثال هؤلاء يجسدون صورة مصغرة لمحمد حسنين هيكل وإن تفرقت مناصبهم ومواقعهم في الصحافة والإعلام وقطاعات الحياة كافة ومن ضمنهم عسكريون.. وأمنيون ورجال مال وأعمال وأئمة مساجد.. يتبارون جميعاً في شتم البشير وكأنّ شتيمته ونقده نياشين بطولة يزينون بها صدورهم أمام جموع الثورة التي أطاحت حكم البشير..محزن حقاً أن يغيب البشير عن مراسم دفن والدته.. ومحزن حقاً أن يتم حظره من زيارة والدته وهي تودع الدنيا بمراحل كان قلب ابنها المسجون يتقطع دون أن يتمكن من رؤيتها، وقلبها الحنون ينبض بآخر دقاته قبل أن تغمض عيناها إلى الأبد..قال الأخ محمد لطيف في خواتيم مقاله، إنه لا يدافع عن البشير بما سرده من وقائع تغييبه عن زيارة والدته التي كانت تُحتضر، وإنما يدافع في الواقع عن قيم الثورة وشعاراتها.. أما أنا.. كاتب هذه السطور، فأقول للأخ لطيف إنني أدافع عن البشير والقيم التي كان يمثلها وخاصة في مواساة المرضى وتشييع الجنائز ومواساة أهل الموتى.. لا ينكر إلا مكابر أنّ البشير كان إنساناً سودانياً كامل الدسم في تعامله الإنساني مع قضايا الموت والحزن.. ما كان للرجل أن يمنع سجيناً أو معتقلاً مهما كان وزنه، من زيارة والدته وهي في آخر دقائق عمرها في الحياة الدنيا..ما لم يقله الأستاذ محمد لطيف هو أنّ الثورة التي يدافع عنها حرمت البشير من زيارة حاجة هدية التي قال لطيف إنه يعرفها وعشيرتها منذ 35 عاماً.. إنها قيم الثورة التي يدافع عنها لطيف.. ثورة شريكها الأساسي المجلس العسكري الإنتقالي الذي قال رئيسه بالحرف الواحد وأمام كل رؤساء تحرير الصحف قبل أشهر، قال برهان إنه لا يعرف صحفياً اسمه محمد لطيف!!.. هذا المجلس هو شريك الثورة التي يدافع عنها لطيف.. ثورة وشريكها العسكري لا يستطيعان حتى كتابة هذه السطور الإجابة على السؤال الشاخص: لماذا أطاحوا بالرئيس البشير؟ثورة وشركاؤها لا يستطيعون حتى كتابة هذه السطور الدخول المباشر لمعالجة المخاطر التي تحدق بالسودان بعد تغييب البشير وحبسه في كوبر.. ثورة وشركاؤها يبحثون عن الحلول السهلة لتهييج الشارع بوضع المتاريس وحرق اللساتك وإجبار تلاميذ المدارس على الخروج في مظاهرات بلا عنوان، انتهت بتعليق الدراسة في كل السودان حتى إشعار آخر!!رحم الله أبناءنا تلاميذ مدارس الأبيض الذين أخرجتهم ذات الأيدي التي تريد الاستثمار في دم الصغار وترمي به (الكيزان) المعتقلين مع رئيسهم البشير في سجن صغير اسمه كوبر.. وسجن كبير اسمه السودان.. والمدهش حقاً أن السجان ومعاونوه لا يعرفون ماذا يفعلون بهذا وذاك..ربما يجيب أستاذنا محمد لطيف على السؤال إن كان حقاً يؤمن بأنّ للثورة التي يدافع عنها قيم يتحدث هو عنها ولا نراها نحن المسجونين في غرفة الحيرة والارتباك بانتظار خريف الفرح.. أو خريف الغضب!!رحم الله الحاجة هدية.. ولا حول ولا قوة إلا بالله..

editor1
AUTHOR
PROFILE

Leave a Comment

Your email address will not be published. Required fields are marked with *